عدت لدمشق بعد ستة عشر عامًا من الغياب، ولست أعدها غيابًا حقيقيًا فآخر عهدي بها وأنا صغير السن، وليس في ذاكرتي إلا صور يعلوها السراب والضباب، فلا أتبين شيئًا، ولا أعرف أحدًا، إلا أن لي أقارب احادثهم عادةً عبر برامج الاتصال، ولكني كنت أحمل على كتفي شوق آبائي لدمشق، فهم خرجوا منها قبل خمسين سنة بعد أن عاشوا زهرة شبابهم بها لتصبح ذكرى تلك السنين جذوة مشتعلة ينقلونها لأبنائهم حتى صار أبنائهم يحملون شوقًا لدمشق وياسمينها وطرقها!
دخلت دمشقًا في صباح يوم السبت، مررت على آثارها، مررت على الأموي في شموخه العالي، مشيت بين طرقاتها وأزقتها وجاداتها، والحقّ أن لكل زاوية منها تاريخ طويل، فلا تكاد ترى زاويةً أو مكانًا أو حتى شيئًا مهملًا إلا وله تاريخ لمن بناه أو وضعه أو جعله على هذه الحال ومن أتى بعده، بل حتى طرقاتها الحجرية تحمل تاريخًا قديمًا، وقصصًا كثيرةً مرّت عليها، من أيام حكم الرومان إلى حكم المسلمين إلى غيرهم من القادة والدول والناس الذين مروا عليها! وما حضر في ذهني حينها إلا قول في بداية كتاب دمشق للشيخ علي الطنطاوي: "وهل توصف دمشق؟ وهل توصف الجنة لمن لم يرها؟!"، وقد صدق، فإنها مدينة لا توصف لشدّة ما تحمله من التاريخ المكنون والجمال الدرّي الخالص.

وبين هذه الطرق القديمة والأزقة سرت مستخبرًا عن حال المكتبات والكتب والقراءة، فعلمي أن دمشق مهد التاريخ ومبدأ الحضارة، ولا توجد حضارة في الدنيا خلت من الكتب، وبدأت أول تلك الملامح عند خروجي من الأموي إلى سوق الحميدية عندما لمحت أن أول السوق باعة كتب! وكان المنظر مبهجًا جميلًا، وبين كتب قديمة وحديثة يقف باعة الكتب بدكاكينهم الصغيرة عارضين هذه الكتب، واقتربت أسأل عن أثمانها فإذ بي أجدها أرخص حتى من بعض المتاجر التي كنت أعدها رخيصة! وكان من العناوين عناوين جديدة، وليست كتبًا مستخدمةً، بل جديدة بقراطيسها، وكان هذا أول لقاء بيني وبين الكتب في دمشق وأول لمحةً من لمحات القراءة.
ورحت أبحث عن مكتبات دمشق، ولم تتيسر لي زيارتها، لكن مر علي ذكر مكتبتين، وهما المكتبة الوطنية والمكتبة الظاهرية، ولست أدري عن غيرهما، لأني ما زلت أتعلم عن معالم هذه المدينة التي لا تنضب أسرارها، وما شدّني أثناء قرائتي عن المكتبات أن عمر المكتبة الظاهرية يقرب من ألف عام! وهكذا هي معالم دمشق، لا يقل عمر أي بناء فيها عن مائة ومئتين وثلاث مائة سنة حتى آلاف السنين! حتى أن الكوّات والدكاكين والخانات تراها متفاخرة ومتباهية بأعمارٍ طوال وأجيال تمر جيلًا وراء جيل.
وأنصحك أن تقرأ كتاب دمشق للطنطاوي وكتابه الآخر "الجامع الأموي"، ففيهما شيء كبير من الجمال واللغة والأدب، وفيهما شيء من وصف دمشق قلّ أن تجده في كتب أخرى، لأن من كتب هذين الكتابين عاشق فارق معشوقته دمشق، فعاد يتذكّر أيامه هناك ويصفها في بهائها، ثم خذ وصف الطنطاوي لدمشق وانطلق إلى معالمها، وطابق وصفه في كتبه بواقع المعالم، فإن لهذه المطابقة لذة لا تعدلها لذة، وشعور ما يعدله شعور، وكأن الطنطاوي بعث وخرج من الكتاب، أو كأن الكتاب ينطق بين تلك الأثار والمعالم، حتى الشجرة التي وصفها الطنطاوي لما أراد أن يدلّ الناس على قبر والديه ما تزال شاهدة في مكانها على القبر ولو أن القبور نبشت وخربت! فما بالك ببقية آثارها وبقية ما ذكره عن جامعها الأموي! فلا يفتك زاد من كتابيه أو كتبه قبل دخولك دمشق.

ولأني مولع بالآثار مررت بالمتحف الوطني، ولو أني منعت من التصوير في المتحف، إلا أن الآثار التي فيه لا يقلّ عمر أحدثها عن ألف عام! ولو كنت قارئًا في عصور الرومان وعصور ما قبل الميلاد فإنك واجدٌ هناك ضالتك بين مئات، بل آلاف الآثار المعروضة في المتحف وحديقته.
وبعد أن خرجت من المتحف اتجهت شرقًا ولفتني هناك العشرات من باعة الكتب الذين جعلوا من الرصيف مكتبتهم ومحلّهم، فتراهم ناثرين الكتب على الجدران والأرصفة وجالسين على عرباتهم ينتظرون زبائنهم، وقفت عندهم وبدأت أتفحص الكتب ووجدت فيها شيئًا ثمينًا قيمًا، وشيئًا جميلًا، وشيئًا مسليًا، وشيئًا لا قيمة له، بل إني وجدت جديدًا وقديمًا في هذه الكتب وكتبًا مدرسية وغير مدرسية، حتى غصت بين هؤلاء الباعة أتفحص الكتاب تلو الكتاب، ولم تنقضي تلك الدقائق إلا وأنا حامل كتابين اشتريتهما منهم، ولو وسع بي الوقت ما أدري كم كنت سأحمل من هذه الكتب.
ومنظر الكتب في ذلك الموضع بهي، فأنت ترى الآثار والطرق الجميلة والقديمة، وترى بين هذه وتلك تاريخًا ضاربًا ممتدًا لآلاف السنين وحاملًا بين دفاته هذه الكتب التي فيها هذا التاريخ، ولست أدري كيف يمكنني وصف هذا الشعور الذي أحسسته حينما رأيت الكتب في ذلك الموضع، ولكني أدعه لك أيها القارئ عندما تزور دمشق مارًّا على أولئك الباعة لتحسّ بما أحسست به في ذلك المكان.
وبعد كل هذه الرحلة الممتلئة علمت لماذا ما مر شاعر أو كاتب بهذه المدينة إلا وأحبها، فبين دفاتها متحف حيّ قائم منذ آلاف السنين، وبين أزقتها وشوارعها تفاصيلًا وجمالًا لا يفوّت، فلذا كانت لكل قارئ روايةً يعيشها بين هذه الطرق، وجمالًا دون محسنات البلاغة، فيكفي أن تصف واحدًا من هذه الزوايا لتخرج بقصيدة بليغة أو تاريخ طويل بين الحضارات، وإنك في هذه المدينة لن يغيب عنك قول شوقي:
وكل حضارة في الأرض طالت
لها من سرحك العِلوِي عِرقُ
فحقّ لها أن تكون أرض التاريخ والحضارة .. والقراءة!
شارك الصفحة
المزيد من المقالات

الترجمان وملاحم اليونان
قد بات كثير من القراء لا يرتاحون حين يجدون الكتب المترجمة مكتوبة على مثال الجملة القرآنية التي جاءت بأفصح لسان، ويتحرجون حين يجدون أن الكتاب المترجم وكأنه مكتوب بالعربية ابتداء لشدة إتقان المترجم وحذقه باللسان المبين.

عن الجمال والإمتاع في الكتابة
الكاتب الذي يريد أن يتلمّس فكرةً مناسبةً للطرح، يجب عليه أن يُحْسن القبض عليها، وأن يُحْسن في تجريدها من الأسمال البالية التي تحجب عنه نصاعتها

تدنّي مراجعات الكتب
لقد صارت المراجعات الشائعة مملة للغاية، وأحكامها المجاملة أصابت جمهور القراء بالخدر والفتور
