لا نمل من قراءة الكتب التي تتحدث عن الكتُب، ودائماً ما تشدنا أحاديث العاملين في مجالها، والمقربين إلى رفوفها، نحبُ أن نخوض في ثرثرة نحو المؤلفين، ونعرف القصص التي لا تكتب خلف كتابة الروايات أو أن نعرف أكثر عن الآراء الخفيّة التي لا تظهر خلف المقالات.
حينما كنت أقرأ كتاب غواية القراءة لعلي حسين، شعرتُ أنني مشيتُ معه طويلاُ في شارع المتنبي، حيث تبسط الكتب على الأرض، ويتكئ البائعون في دكاكين ضيّقة تتكدس فيها المجلات وأوراق الصُحف ومن خلفهم تبرز صروح أثرية للمعاجم والدواوين.
لقد قضيتُ أوقاتاً سعيدة في صحبة القارئ العتيق علي حسين الذي جمع بكل احترافية مادة ثريّة ممتعة عن أبرز الكتب والروايات التي مرّت من تحت يديه خلال السنوات التي قضاها كعامل في المكتبة.
في منتصف الكتاب، شعرت بأني أجلس على طاولة واحدة مع الأصفهاني وفيكتور هيجو نستمتع لبروست وهو يحكي عن حياته ثم نضحك على طرفة يلقيها طه حسين عن المتُنبي، ثم نستمعُ بإنصات إلى تولستوي وهو يروي عن الأيام الأخيرة في حياته، وسارتر وهو يناقض آراء ألبير كامو عن الوجودية.
يقسم علي حسين الكتاب إلى 25 فصلاً؛ كل فصل يحتوي على عنوان يشد القارئ، ثم يسترسل في الكتابة عن مؤلف أو كتاب أو رواية، ويستطرد من هنا وهناك لينهي الفصل بخاتمة بديعة تجمع المواضيع كافة بخيط ناظم. وهذا ما يؤكد أن الكاتب برع في اختيار العناوين والصفات التي تجمع الكتّاب أو الظروف الدافعة للتأليف والإبداع والنجاح.
أعتقد أن "غوايات القراءة" هو من الكتب التي توضع في صدر المكتبة أو على طاولة القهوة، كتاب يحمل دائماً في حقائب السفر ويستأنس فيه في الرحلات الطويلة، لأن كل فصل مستقل بحد ذاته محشو بكم هائل من المعلومات التي تشبع شهية القارئ النهم، الذي يشعر أنه بات يعرف الكثير عن مؤلفيه المحببين فتنشأ علاقة حميمة يتصل بها بكل من تأثر بهم والكتب التي ألهمته والمدن التي عاش بها والطفولة التي دفعته لتأليف كتابه المفضل.
"القراءة تمد العقل بمادة المعرفة، ولكن التفكير هو الذي يجعل مانقرأه ملكاً خاصاً لنا" جون لوك
بين السطور وفي مقدمة كل فصل يزرع الكاتب اقتباس مميز عن الكتب والقراءة والمكتبات، فمقاومة التخطيط ستفشل بالتأكيد، لأن في وسط سرده المسترسل ستبرز باقة من الاقتباسات تقف عندها طويلاً قبل أن تشق باقي طريقك الممتع في القراء.
يشد حسين القارئ من أول السطور في "غوايات القراءة" فيقول:
"بالنسبة لي ليس مهماً أن أكون قارئاً، بل يجب أن أكون قادراً على بث الشغف بالقراءة عند الآخرين، وعندما أكتب عن الكتب واستذكر مؤلفيها لا يمكنني غض الطرف عن الروابط العاطفية بيني وبين الكتب والقراءة. وقد تعلمت أن السبيل نحو اكتساب عادات قراءة تستمر مدى الحياة يعتمد على التعود على العيش بنمط قائم على القراءة".
ويتابع الكتابة بإعطاء نصائح ثمينة للقراء المستجدين ووسائل محفزة تثير جهازهم العصبي للجوء إلى القراءة كوسيلة للعيش والنجاة والأمل .
لا يفصل علي ذاته عن القراءة فهما شيء واحد فقد كانت لصيقة له من بداية طفولته حتى هذه اللحظة، ففي كل فصل يذكر كيف أثر هذا الكاتب عليه وكيف حصل على نسخة هذا الكتاب وكيف عرف عن هذه القصة، لذلك سيشعر القارئ بأنه شخص مقرب يشاطر أمين المكتبة ذاكرته وينتقل معه بين رفوف الكتب مستمعاً للإجابات التي تدور في ذهن كل قارئ عن كاتب قصص ألف ليلة وليلة مثلاً أو عن أفضل ترجمة للقصيدة الملحمية هوميروس التي كتبها أول أديب يوناني، أو عن طفولة فرويد واينشتاين و فلسفة شوبنهور.

يعتبر الكتاب مدخلاً في الفلسفة والفيزياء وعلم النفس والسياسة والأدب، يقدمها لك علي حسين بإسلوب رائق وسلس بدون أن تخشى الغرق في الملل أو يفلق رأسك التشتت ستنسجم في القراءة متهاديًا على قارب المعرفة، تتبع أمواج الدهشة وتقودك روح الفضول لمعرفة المزيد عن ماخلف الكواليس وما بعد النهايات، وستنظر إلى مكتبتك والكتب التي قرأتها مسبقاً بعين أخرى ورأي أكثر شمولية واتساعاً .
لم يغفل الكاتب أي موضوع، وتطرق للحديث عن الكتب المكررة، وإعادة قراءة الكتب، مستشهداً بذاته أولاً، ومستطردًا لرأي الكتّاب عن إعادة الكتب وشراء نسخ متكررة من الكتاب الواحد فيقول:
"يخبرنا صموئيل بيكيت أنه مولع بقراءة الكتاب الواحد أكثر من مرة، لأن القراءة المتعددة أشبه بخلط الوهم بالواقع، وهو ماحاول أن يقدمه في رواياته ومسرحياته بطريقة يصعب الفصل فيها بين الحقيقة والوهم، يكتب بيكيت: «لانكاد نولد حتى نموت، ومابين الولادة والموت نعيش في ظل واقع هو وهم، ووهم أشبه بالواقع»".
حينما حان وقت الاقتراب من الصفحات الأخيرة وفي الفصل الأخير أدرج علي حسين اقتباساً حقيقياً لامسني وقد كان يصف فعلاً ما سأشعر به حينما أغلق الجلدة الأخيرة من الكتاب فكتب:
"إذا شعرت وأنت تقلب الصفحة الأخيرة من الكتاب الذي تقرأه وكأنك فقدت صديقا، فاعلم أنك قد قرأت كتابا جيدا" بول سويني
ومن خلال السطور ستعرف أن علي حسين نجح في تطبيق نصيحة عبدالرحمن له وهو في سن صغيرة حينما صادفه في المكتبة وقال له: "حاول أن تجعل من القراءة واقعاً تعيشه"، وأعتقد أنه عاش كذلك.
شارك الصفحة
المزيد من المراجعات

لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟
إن الأنماط التي اعتدتها من الاجترار تستحق منك أن تتأملها بلطف وتفهمها عوضًا عن جلد ذاتك أو الشعور بالخزي

سلطان الجموع: مراجعة لكتاب صناعة السمعة في الشهرة الرقمية
وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا لا يبدو التصوّر الذي كان يحمله أبناء تلك الأجيال مقاربًا لما أصبحنا نتصوّره في عهودنا القريبة حول وسائل التواصل

ما لا ينبغي للمقارِن جهله: مراجعة لكتاب الأدب المقارن
محمد ناصر الكُربْي
