header

من حيّز الخبر إلى حيّز التجرِبة: مراجعة لكتاب مع المُصطفى ﷺ لعائشة بنت الشاطئ

سارة المطيري
سارة المطيريسارة المطيري
16 فبراير 2026
٦ دقيقة قراءة

لم أمدَّ يدي إلى كتاب (مع المُصطفى) في ساعة فراغٍ عابر، ولا بدافع عادةٍ في اقتناء الكتب، ولكنّي قصدته قصدًا كأنّما أبتغِي به صُحبةً لا قراءة، ومُرافقةً لا مُطالعةً.

كان بيني وبين كُتب السيرة -قراءةً واستِماعًا- عهدٌ جميلٌ تلقيتُ مِنها ما يُحصي الوقائع ويستقصي الأخبار، حتى حَسبتُ أني ألممتُ بالصورةِ وأدركتُ المُبتغى، فلما فتحتُ هذا الكتاب أحسستُ أني لمْ أقترب بعدُ إلا من الظلّ، وأن رُوح الحقيقة كانت تنتظرني في هذا الكتاب.

مُنذ السطور الأولى وجدتُني أمام لغةٍ بديعةٍ تمشي على أطرافِها حياءً من المقام، فلا ترفعُ صوتها حيث ينبغي الصّمت، ولا تتزيّن حيثُ يكفي الصدق. لم تكن بنتُ الشاطئ تُنشد بطولةً خارقة أو تصوغ تاريخًا يُدهش فحسب، بل كانت تُصغي إلى المعنى الكامن في كلّ لحظة، وتستخرج من الحدث روحه، ومن السيرة سرّها الإنساني الدافئ، هُنَالك شعرتُ أنني لا أقرأ عن النبي ﷺ كما اعتدت، بل أتعلم كيف أكون معه: في بساطته، وفي سُكونه، وفي تلك العظمة التي لا تفنى.

وما حملني على أن أقدّمه للقرّاء ليس جديدُ خبرٍ يُضيفه، ولا طرافةُ روايةٍ يبتدعها، وإنما تلك السكينة التي يُخلفها في النّفسِ، وذلك الأدب الذي يُذكّرك أنَّ الكتابة عن العظماء امتحانُ تواضعٍ قبل أن تكون استعراضَ بيان، ولأنني رأيتُ فيه ما يردّ السيرة إلى مقامها الحيّ في الضمِير، ويُعيد القارئ إلى نفسِه وهو أرقّ قلبًا وأصفى بصرًا، فقلتُ: هذا كتابٌ لا يُستكثر عليه أن يُتداول، ولا يُبخل به على مَن يطلب مِن القراءة نورًا لا ضجيجًا، وصُحبةً لا استعراضًا.

في كتاب (مع المُصطفىﷺ) تقدّم د.عائشة عبد الرحمن (بنتُ الشاطئ) -رحمها الله- نموذجًا فريدًا في فنِّ السيرة النبوية؛ نموذجًا لا يندرج تحتَ باب التأريخ التقليدي أو السرد العاديّ، بل هو عرضٌ إشراقيٌّ بديع لمشاهد نبويةٍ خالدةٍ، ويمكننا القول إن الدكتورة عائشة أرادت أن تؤسس لمسارٍ طرِيف، يقومُ على التذوّق الأدبيّ الواعي للسيرة، وعلى تحويل الحدث النبوي من مادةٍ سردية إلى تجربة شعورية وفكرية حيّة، لا على الوعظِ والسرد وجمع المعلومات؛ فالكتابُ في جوهره ليس سردًا للوقائع والأحداث، بل مقامًا من مقامات المُصاحبة الروحية والنفسية والفكرية للنبي ﷺ، وهو ما يُعبر عنه عنوانُه الرقيق  الدال عليه: (مع المُصطَفى).

أولًا: المنهج والأسلوب العام

تعتمد بنت الشاطئ في هذا الكتاب منهجًا انتقائيًا واعيًا؛ فهي لا تستقصي الوقائع استقصاء المُتخصّص ولا ترتّبها ترتيبًا زمنيًا صارمًا، وإنما تختارُ من السيرة ما يخدم مقصدها التربويّ والإنسانيّ، وهذا الاختيار ليس اعتباطيًا، بل تحكمه رؤية فكرية واضحة ترى في السيرة مجالًا لإبراز القيم الكونية للإسلام: (الرحمة والصبر والعدل والحكمة)، وهذا ما يدفع القارئ نحو إعادة اكتشاف المعنى، والنظرِ في الأحداث النبوية نظرةً دقيقةً ومن جوانب مُختلفة. 

ومع ذلك، فقد رتبت بنتُ الشاطئ كتابها ترتيبًا تاريخيًّا منهجيًّا، بالحديث أولًا عن مرحلة قبل المبعث، وانتهاءً بالفصل الذي أسمته (ودخل الناس في دين الله أفواجًا).

إنَّ أهم ما يُميز كتابة بنتُ الشاطئ لغتها الرصينة العذبة، فهي لغة متينة التركيب، لكنها في الوقت نفسه مصحوبة بنَفَسٍ أدبيٍّ رقيق، يجعلُ الجملة أقرب إلى التأمل منها إلى التقرير، ويظهر أثر تكوينها البلاغيّ واللُّغوي بوضوحٍ في قدرتها على تطويع الأسلوب الكلاسيكي في ذلك، دون افتعالٍ أو تحليةٍ مُبالغ فيه.

ثانيًا: البناء الأدبيّ والتصوير

تتميّز بنتُ الشاطئ بقدرتها اللافتة على بناء المشهد النبوي بناءً إيحائيًا؛ فهي لا تكثر من الوصف التفصيلي، لكنها تختار اللفظة المشحونة بالدلالة، والجملة القصيرة المكثّفة، لتترك للقارئ مساحة المشاركة الوجدانية؛ ففي حديثها عن مواقف النبي ﷺ الإنسانية، لا تكتفي بإيراد الحدث، بل تُعنى بإبراز دلالته النفسيّة والأخلاقيّة، وكأنّها تقود القارئ إلى الوقوف مع النبي في الموقف ذاته، لا إلى النظر إليه من خارجه. 

ويتجلّى هذا الأسلوب في نزعتها إلى التحليل الهادئ غير المباشر؛ فهي نادرًا ما تصدر أحكامًا صريحة، بل تكتفي بعرض الموقف في سياقه، ثم تترك للمعنى أن يتكوّن في ذهنِ القارئ، وهذه قدرة أدبيّة دقيقة، تدل على وعيٍّ عمِيق بوظيفة اللُّغة في التأثير، لا في الإقناع القسري.

تقولُ بنت الشاطئ في مستهلِ الفصل الذي يحمل عنوان (من مهدِ مولده إلى غارِ حراء): «ومضى التاريخ لم يُطل الوقوف بمكة مهد مولده. شغلتُه عنها وعن يتيمها الهاشمي، أحداث جسام كانت تجري على مسرح الدنيا".

ثالثًا: بين التقديس والإنسانية

من أبرز مكامن القوة في الكتاب قدرة بنتُ الشاطئ على تحقيق توازن دقيق بين التوقير العقدي لشخص النبي ﷺ، وبين إبراز إنسانيته الكاملة؛ حيث حرصتْ على إظهار الجانب الإنسانيّ العمِيق للمصطفى ﷺ، فقد كان يعيشُ الألم، ويتحمل الأذى، ويصبِر ويعفو، دون أن يمُسّ ذلك مقامه النبوي الشريف، وهذا المسلكُ يجعل الكتاب قريبًا من القارئ المعاصر، لأنه يقدّم القدوة في إطارها الإنسانيّ المُمكن، لا في صورةٍ بعيدة! 

وما أشدُّ ذلك المشهد وأبهاه، حيث تُصوُّر الموقف ببلاغتِها بعد نزول الفرقان على قلبِ عبده ﷺ، ليكون للعالمين نذيرًا، حيثُ تقول: «وبدأ تاريخٌ جديد: الرجلُ الذي سرى في اللّيلِ إلى غارِ حراء، على مألوفِ عادته مُنذ أنكر موضعَ الأصنامِ في البيتِ العتيق، وأيقن أن حياةَ الناسِ لا يمكن أن تمضي هكذا على سفهٍ وضلال، خرج مع الفجرِ من الغار، نبيًّا مبعوثًا بخاتمِ الرسالات.

والكلماتُ الأولى التي تلقّاها في تلك الليلةِ من وحيِ ربِّه، كانت بدايةَ كتابٍ معجز، وآيةَ نبيٍّ بشر، ولواءَ عقيدةٍ وجَّهت التاريخَ وحرَّرت الإنسانَ، وصنعت أمةً وقادت حضارة».

 

رابعًا: اللُّغة بين العِلم والأدب.

تجمع لغة بنتُ الشاطئ بين خاصّيتين قلّما تجتمعان: الدّقة العلمية والشفافية الأدبيّة؛ فهي حريصة على سلامة المعلومة، وعلى احترام النصوص القرآنية والحديثية، لكنها لا تُغرق النّص في الإحالات أو التخريجات، بل تستدعيها بقدر ما يقوّي الفكرةَ ويقوّمَ الحجَّةَ ويعين على تعميق أثرِ العبارات؛ فهي تُخاطب قارئًا باحثًا عن المعنى قبل المعلومة، ومع ذلك، فإن خلفيتها الأكاديميّة تظهَر في ضبط المفاهيم، وفي تجنّب التعميم أو السرد العاطفي المُنفلِت من الضوابِط.

تأمل هذه الفقرة لترى قوة العبارة ودقتها في الوقت ذاته، حيثُ تقول: «ونامتِ الدنيا، لا تُلقي بالًا إلى رجلٍ من بني هاشم، ابن امرأةً من قريشٍ تأكلُ القديد، قد أوى إلى غارٍ هناك مستغرقًا في تأمُّله، يلتمسُ في النعمةِ الداجيةِ شعاعًا من نورِ الحق، وينشدُ في خلوته أنسَ الهدى وراحةَ اليقين، وخواطرُه تحومُ حول البيتِ العتيقِ الذي رفعَ إبراهيمُ القواعدَ منه وإسماعيل وطهَّراه للطائفين والعاكفين والركع السجود، فلم يلبث أن صار مع الزمن مثوىً لأوثانٍ شائهة ممسوخة، لكلِّ قبيلةٍ من العرب وثنها تحجُّ إليه وتطيفُ به وتلبِّي عنده، وترفعُ إليه الدعاء وتقدِّم القرابين».

ختامًا، تكمُن القيمة الكبرى للكتاب في كونه جسرًا بين السيرة والتراث الأدبي، وبين المعرفة الدينية والذائقة الجمالية، حيث إنه كتابٌ يُعلّم القارئ كيفَ يقرأ السيرة قراءةً واعية، وكيفَ يحوّل المعرفة إلى موقفٍ، والمعلومة إلى بصيرةٍ، كما أنه يكشف عن طاقة أدبيّة عالية لدى بنت الشاطئ، تؤهلها لأن تكون من أبرز من كتبوا عن النبي ﷺ بأسلوبٍ أدبيّ حديثٍ دون أن يفرّطوا في جلال الموضوع.

وَما أعجبني بحقٍّ في هذا الكتاب، أنه لا يكتفي بأن يُعرّفك بالمُصطفى ﷺ، بل يدرّبك على أن تكون معه في سُكوته، وفي حلمه، وفي إنسانيّته التي تَتسامى دون أن تَتعالى، لُغته جزلة رصِينة، مُشبعة بروح القرآن، لكنها بعيدة عن الزينة اللفظية الفارغة؛ كلُّ كلمةٍ موضوعة بميزان، وكلُّ عبارةٍ كأنها كُتبت على استحياء من المقام الشريف، وهو وإن خلا من الترتيب التاريخي، عامرٌ بالصدق المعنوي والمنهج الواعِي، حتى لَيخرج القارئُ منه وقد تغيّر فؤاده قبل أن تتراكم في ذهنه المعلومات، لذا فإني أنصحُ مليًّا بقراءته لمن أراد من السيرة قُربًا وأُنسًا ومعرفةً، ومن الدين حياةً وعلمًا وعملًا، ومن الكتابة بلاغةً وأدبًا مسؤولًا يعرِفُ متى يصمُت، وكيفَ يقولُ دون أن يجرح جلال المعنى.

شارك الصفحة

المزيد من المراجعات

لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟

لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟

إن الأنماط التي اعتدتها من الاجترار تستحق منك أن تتأملها بلطف وتفهمها عوضًا عن جلد ذاتك أو الشعور بالخزي

كتابة: دونا جاكسون ترجمة: يارا عمّار
سلطان الجموع: مراجعة لكتاب صناعة السمعة في الشهرة الرقمية

سلطان الجموع: مراجعة لكتاب صناعة السمعة في الشهرة الرقمية

وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا لا يبدو التصوّر الذي كان يحمله أبناء تلك الأجيال مقاربًا لما أصبحنا نتصوّره في عهودنا القريبة حول وسائل التواصل

محمد ناصر الكربي