header

ملحمة الحب وتجاوز الأجناس الشعرية: مراجعة لديوان تيم

دا
دعاء الغوينمدعاء الغوينم
23 سبتمبر 2025
٤ دقيقة قراءة

يأتي ديوان تيم كرحلة شعرية تستعصي على التصنيف، إذ لا يمكن وضعه في إطار قصيدة النثر وحدها، ولا في خانة الشعر الموزون وحده، ولا حتى في جنس الرسائل الأدبية. إنه نصّ عابر للأجناس، يقترب من الملحمة بمعناها الوجداني، حيث تتقاطع الحكاية مع القصيدة، والحوار مع الغناء، ليصوغ تجربة إنسانية كاملة.

لغة عبد اللطيف في هذا الديوان تتأرجح بين الوضوح والعمق، بين الاعتراف المباشر والرمز الصوفي. فهي لغة تشتغل على مفردات الحب والفقد والحنين، لكنها في الوقت ذاته تنفتح على استعارات وصور تجعل النص أكبر من مجرد اعتراف شخصي، ليغدو تجربة كونية. الكلمات ليست أدوات وحسب، بل هي نبض حيّ يترجم ارتجاف الروح.

"لا تلتفتْ

رحلتْ

وما عادت تُرى

من علّمَ المأساةَ أن تتكررا؟!

من ذرَّ شوك الذكريات

بشارعٍ

فيه البيوت تخاف أن تتذكرا

لا تطرق الأبواب.. مُتعبَةٌ

ودَعْ.. أخشابها

تختار أن تتكسرا".

 

المتن والهامش، الحوارية الشعرية

ما يلفت الانتباه في تيم هو قدرة الشاعر على ربط المتن بالهامش؛ إذ تتحول الهوامش أحيانًا إلى جزء لا يقل أهمية عن النص المركزي، فيتجاور الصوتان ويكمل أحدهما الآخر. هذه التقنية تخلق حركة داخل النص، وتمنح القارئ فرصة لتأمل تعددية الأصوات، وكأننا إزاء مسرح داخلي تتقاطع فيه الرؤى.

يقول الشـاعر:

"ما بيننا يشبه اللحن الذي لم يكتمل، غير أن يد العازف لا تكفّ عن المحاولة. فاسمحي لمن لا يملك سوى القصيدة، أن يهديك واحدة تشبه اعترافه المتأخر، ولا تستغربي إن لم أكتف بالمتن؛ خشيت أن تخونني القصيدة أو تخونكِ، فالمتون قد لا تسعف".

كذلك يحضر البعد الحواري بشكل بارز، حيث يأخذ النص شكل رسائل متبادلة بين العاشقين عبر شهور السنة. هذا البناء الرسائلي يضفي على الديوان نبرة درامية، ويحوّل القصيدة إلى حوار شعري مفتوح، تتجاور فيه الذات والآخر، الحاضر والذاكرة، الاعتراف والإنكار.

حزنٌ بألوان خشبية

"فِي العَاشِرِ مِن دِيسَمْبَرَ

جَاءَ الحُزنُ وجَلَسَ وقَامَا

سَقطَ الوَقتُ وَطَارَ حَمَامَا".

الأنثى في تيم عبد اللطيف بن يوسف.

تظهر شخصية الأنثى في تيم بوصفها قوة محركة للنص الشعري، فهي ليست مجرد معشوقة أو ظلّ للرجل، بل كيان مستقل، واعٍ، وصوت له حضوره الخاص. أحيانًا تتجلى كحبيبة بعيدة، وأحيانًا كصوت رسائلي يردّ على خطاب الشاعر، وأحيانًا كرمز للغموض والحرية. حضورها يفتح النص على تعددية المعنى، ويجعل الحوار بين العاشقين أشبه بحوار بين ذاتين متكافئتين في الوجود والعمق. إنها صورة الأنثى التي تكتب وتجادل وتحتج وتحب، فتتحول من موضوع للقصيدة إلى شريكة في كتابتها.

"كما لست لي أنت لست لها

فلا ترجُ بعدُ الذي تطلبُ

سأرحل في لحظةٍ .. يالها

ومن سفري يولد الغيهبُ

أنا امرأةٌ قطُّ ما نالها

سوى حزنها حين يُستَوعَبُ

أرتني دنيايَ أهوالها

ومن عجبي لست أستعجبُ

أنا حرَّةٌ نفضت آلها

ومن شدّةِ الصدق قد أكذبُ

فلي فرسٌ خنتُ خيّالها

لأن المسافةَ تستذئبُ

تقول وقبلك لي قالها

ملايينُ ذابوا وما ذوَّبوا

كولّادةٍ.. نحست فالها

بحبٍ وكانت به تلعبُ ".

لا تقتصر الأنثى في الديوان على كونها امرأة من لحم ودم، بل تتجاوز ذلك لتصبح رمزًا صوفيًا للحقيقة والمطلق. فهي "المحبوبة" التي تُرى كمرآة للروح، وكجسر يصل بين العاشق ومتعاليه. في حضورها يحضر النور، وفي غيابها يتجلى العدم. هي صورة الأنثى التي تستدعي ابن عربي حين قال: "الحب ديني وإيماني"، بهذا البعد الصوفي، تتحول الأنثى إلى فكرة كبرى: هي الوطن، وهي الحلم، وهي الغاية القصوى التي يسعى إليها الشاعر كما يسعى المتصوف إلى الحقيقة.

"تركت على كحل عينيك قلبي

أنا الدمع والأسود السائلُ

فمنذ رحلتِ الخليج يربي

حنينا ويشربه الساحلُ

خذي حطبا من ضلوعي وشبي

لدفئك هذا الجوى الهائلُ

أيا زمن البعد ماذا يخبي

لأطلاله الشاعرُ العاطلُ

بدمع النبيِّ تهجأت دربي

وهاجرت نحوي ولا نائلُ

لي الموج حتى تشقق قربي

بسفر الخروج أنا داخلُ

قتيلك يا حب لكنَّ ذنبي

بأني لأخرى أنا القاتلُ

لأجل اثنتين انذبحت وحسبي

بأن ضمني الخبر العاجلُ

سلامٌ من القلب يا بنت جنبي

لقد تعب القول والقائلُ

أنا الخيل والليل والمتنبي

وقد آن أن ينقص الكاملُ".

 

الملحمية الشعرية

ما يجعل تيم أشبه بملحمة هو امتداده عبر الأزمنة وتنوع صوره: من استدعاء التراث (طوق الحمامة) إلى حضور مشاهد معاصرة تمسّ الوجدان الإنساني. النص يتحرك في فضاء واسع، يستدعي أساطير قديمة وأغنيات حديثة، ويضعها في خدمة ثيمة كبرى: الحب بوصفه أصل الوجود وسرّ استمراره. هذه السعة في الرؤية، وهذا التداخل بين الأزمنة والأصوات، يضفيان على الديوان بعدًا ملحميًا يتجاوز التجربة الفردية إلى التعبير عن الهمّ الإنساني الجمعي.

"هِيَ جَادَّةٌ جِدًا

لِذَلِكَ رُبَّمَا ارتَعَدَ الذكُورُ مِنَ الثباتِ الأُنثَوِيِّ

وَخَاصَّةٌ جِدًا

لِذَلِكَ رُبمَا لَمْ تَكْتَرِثْ بِالعَامِّ

مِن سَرْدِ الحَكَايَا والنَمَائِمْ".

ديوان تيم ليس نصًا غنائيًا عن الحب وحسب، بل هو محاولة لإعادة تعريف الشعر نفسه. فهو نصّ عابر للأجناس، يستعير من القصيدة والنثر والحوار والرسالة والمسرح ليبني نسيجه الخاص. وهو، قبل كل شيء، مرآة لروح قلقة وجميلة، ترى في الحب خلاصًا وفي الكتابة عزاءً، وفي الشعر ملحمة لا تنتهي.

شارك الصفحة

المزيد من المراجعات

لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟

لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟

إن الأنماط التي اعتدتها من الاجترار تستحق منك أن تتأملها بلطف وتفهمها عوضًا عن جلد ذاتك أو الشعور بالخزي

كتابة: دونا جاكسون ترجمة: يارا عمّار
سلطان الجموع: مراجعة لكتاب صناعة السمعة في الشهرة الرقمية

سلطان الجموع: مراجعة لكتاب صناعة السمعة في الشهرة الرقمية

وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا لا يبدو التصوّر الذي كان يحمله أبناء تلك الأجيال مقاربًا لما أصبحنا نتصوّره في عهودنا القريبة حول وسائل التواصل

محمد ناصر الكربي