header

على الماضي ألا يمضي: قراءة في كتاب العيش مع ماضينا

ها
هيفاء المحماديهيفاء المحمادي
13 نوفمبر 2025
٤ دقيقة قراءة

لا يمكننا أن نتقدّم إلى الأمام بدون الماضي، فنحن نتاج الذاكرة والمواقف. كيف سنمضي في دروب الحياة خالين الوفاض من التراكمات المعرفية والخبرات الحياتية؟ وبدون الماضي، كيف ستكون ردّات فعلنا إزاء الأشياء إن لم نمرّ بها سابقاً؟

تتردّد دائماً في الأصداء جملة: "عِش وانسَ الماضي"، أما في كتابه «العيش مع ماضينا» يوضح شارل بيبان -بفلسفة عذبة- خطأ هذه الجملة، ويستبدلها بـ "عِش مع ماضيك"، لأن ذاتك الحقيقية هي ماضيك وحاضرك وما ستكون عليه في المستقبل.

ويطرح من خلال فصول الكتاب أساليب تجعل من ماضيك أداةً للشفاء وطريقةً لرؤية المعنى.

يتناول الكتاب في ثمانية فصول محاور ثرية تضيف للقارئ الكثير؛ فمن خلال تأملات شارل وأسلوبه البسيط الممزوج بالاستشهادات والقصص، سيأخذك الكتاب إلى شواطئ الانفتاح وتحطيم كل الصور والقوالب التي تعامل الماضي كسجنٍ خانق وذاكرةٍ مؤلمة يجب أن تُمحى.

"يكمن الخطأ في التفكير أن الأمس لا يمتّ إلا إلى الماضي.

في الواقع، فالماضي لا يمضي؛ إذ إننا صنيعة الماضي أكثر من كوننا صنيعة الحاضر. إذ تُسارع كل لحظةٍ مُعاشة إلى الانضمام إلى الماضي الذي لا يتوقّف عن التزايد في الانتفاخ على غرار انتفاخ البالون. ففي الحاضر نحن في حالة عبورٍ دائم؛ إذ كلما تقدّمنا في الوجود أصبحنا أكثر غنىً في تجربتنا المعاشة.

من الهام إذن أن نتعلّم كيف نحسن العيش مع ماضينا، وأن نجد في الآن عينه المسافة الملائمة معه. ولكي نتعرّف على أنفسنا بشكلٍ أفضل، ونتفهّمها، ونعرف ميراث ماضينا، وخصوصاً كي لا نقع في التكرار والاجترار على غرار أولئك الذين يعيشون في قلب ماضيهم، وليس أولئك الذين يتعايشون معه".

ثمّ يُلقي شارل الضوء على الذاكرة، موضحًا تأثيرها على الماضي لتساعدنا في فهم طريقة هذا التأثير، ذاكراً أنواعها وكيف أنها في بعض الأحيان تصبح ضبابية، فتضخّم بعض المواقف أو تبهتها، مما يُعطب الصورة ويُلقي عليها سربال الغموض، فيؤثر ذلك على نظرتنا إلى ماضينا ويُربكنا في التصالح معه.

لذلك يشيد بعدم التعويل على الذاكرة فقط، لأنها لا تنفكّ عن الامتزاج بالخيال؛ فكم من موقفٍ خُيّل إلينا أننا عشناه لأننا سمعنا حكاياتٍ ومواقف بالتفصيل الممل، فارتبكت ذاكرتنا واختلطت عليها الأمور، لأنها بطبيعة الحال ضعيفة، ولا يمكن مقارنتها بالعقل والوعي.

وفي فصل "الماضي: باب الولوج إلى الحاضر" يشير شارل إلى أننا نعيش لحظات الحاضر المحض متحرّرين من ماضينا، وذلك عندما نعيش اللحظة الراهنة فنترك أرواحنا تتأمّل المناظر الطبيعية التي تُشبع حواسّنا بالنظر والرائحة.

لكن هذه اللحظة الغارقة في الهدوء ستصبح من الماضي الذي يعود عندما نكرّر الزيارة للمكان، فنتذكّر كيف كنّا، وكيف كان حالنا منذ أن وقفنا في نفس المكان، فيعود الماضي ويشعل شموع الحنين، وتأخذنا الذكريات إلى ذواتنا القديمة التي ظننا أننا نسيناها.

فيُمكن لقطعة بسكويت أو رائحة عطر أن تُعيدك إلى موقفٍ في الطفولة، فتعود الذكرى مع ذلك المذاق أو العبير الذي مرّ بأنوفنا. ويستشهد بيبان بـ"بروست" في روايته البحث عن الزمن المفقود، حينما أذاب الراوي قطعةً من حلوى المادلين في الشاي، فاستدعى الطعمُ ذاكرته وأخذه إلى قريته القديمة، وصباحاته التي كانت تجمعه بعمّته، وملامح طفولته التي عادت من ذاكرةٍ بعيدة.

هل بإمكاننا نسيان الماضي والهروب بعيداً من الذكريات المؤلمة؟

يقول شارل:

"يتعيّن على كلّ حال دفع الثمن الذي لا مفرّ منه حين نتجنّب الماضي والذكريات الأليمة أو الصدمية. إذ ليس من السهل تجاهل الماضي؛ فهذا الأخير يُحاول فينا، ويصرّ، ويردّ الهجوم. إذ يفرض استبعاده جانباً صراعاً دائماً قد يصبح لا واعياً وآلياً، ولكن بالتأكيد ليس مجانياً؛ فهناك دوماً ثمنٌ نفسيّ يتعيّن دفعه في أحد الأيام.

قد نكسب بعض المعارك، ولكنّا لن نخرج منها سالمين، وقد نخسر الحرب في النهاية، لأن التجنّب فخٌّ قد يُحاصرنا".

ويشرح دور الحداثة في النظر إلى الماضي من هذه الزاوية وطلائه بالإيجابية المبالغ فيها، إذ قد يتخذ ذلك مساراً عكسياً، فتعود لنا انفعالاتٌ سلبية وتوترٌ ملحوظ وإرهاقٌ متواصل.

ولا يعني ذلك أن نقوم باجترار الماضي أو صدّه ورفضه بحزم، لأنه سيعود بأكثر من شكلٍ أو وسيلة وبإصرارٍ متعمّد. لذلك يجب ألاّ نتجاهله، بل أن ننظر إليه من بعيد، ونعيد اختراعه، ونبحث عن الأضواء الإيجابية التي حجبتها ظلمةُ المعاناة.

خطواتٌ للمساعدة في تجاوز الماضي

يستمر شارل في كتاب العيش مع ماضينا بطرح الوسائل التي يستخدمها الأخصائيون النفسيون والتطبيقات العلاجية لمواجهة الماضي بلا ألم، مستشهداً بقصصٍ مؤثرة لأشخاص غيّروا إدراكهم لهذا الماضي المؤلم ووجدوا السلام في التصالح معه، بل إنهم نظروا إلى المسيئين بعين العطف، ليسمحوا للذكريات أن تعبر حياتهم دون أن يجرحهم نصلها الحاد.

وهكذا سيصبح الماضي أداةً للتشافي من الندوب التي أحدثناها لأنفسنا أو تسبب بها الآخرون.

وأخيراً، يُنهي شارل الكتاب بفصل "الانطلاق إلى الأمام مع ماضينا" بلفتاتٍ تأملية رقيقة تحثّ على تذكّر الأشياء الجميلة، وأن نستأنس بالعودة إلى المواقف التي أضحكتنا وأسعدتنا، وأن نستحضر وجود الأحبة الذين رحلوا عنّا من خلال مواقف سعيدة؛ كوجبةٍ تعلمناها من الجدّات، أو العودة إلى أماكن عشنا فيها معهم أياماً حافلة.

فعندما يتخذ العيش مع ماضينا معنى مغايراً، يصبح دعوةً مليئة بالفرح، نعيد فيها الصلة كي نغذّي حاضرنا بالجمال الذي عشناه.

شارك الصفحة

المزيد من المراجعات

لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟

لماذا يستسلم عقلك لدوّامات الأفكار؟ وكيف تتحرر منها؟

إن الأنماط التي اعتدتها من الاجترار تستحق منك أن تتأملها بلطف وتفهمها عوضًا عن جلد ذاتك أو الشعور بالخزي

كتابة: دونا جاكسون ترجمة: يارا عمّار
سلطان الجموع: مراجعة لكتاب صناعة السمعة في الشهرة الرقمية

سلطان الجموع: مراجعة لكتاب صناعة السمعة في الشهرة الرقمية

وبعد مرور أكثر من عشرين عامًا لا يبدو التصوّر الذي كان يحمله أبناء تلك الأجيال مقاربًا لما أصبحنا نتصوّره في عهودنا القريبة حول وسائل التواصل

محمد ناصر الكربي